Monday, August 4, 2014

تحت القصف يقول: بابا


أنتَ.. يا أنا، يا طفلي المحاصر البعيد في غزة، قل «بابا» تحت القصف لأتعلم منك النصر والحب، قل «بابا»، واضرب بصوتك في روحي لتعيدني إلى طفولتك الغائبة عن عينيّ. قل «بابا» لأبكي أبوتي التي خسرتها يوم لمستُ يدكَ في زحام المطار، وأنتَ تغادر شجرة أصابعي. قلها وأنتَ تبحث عن ملجأ من رصاص الشياطين، وأنت ناعسٌ في صحوة الخوف لأنك طفلٌ لا يفهم لعنة الحرب. قل يا ناصر لأبيكَ إن الليل خوف، والنافذة خوف، والنوم ربما يجيء بكل الخوف، والبناية المقابلة صارت رماداً بلمسة إصبع من شيطان

قل يا ناصر «بابا» لأفسد وحدتي بالندم، وأحصي الكوابيس على سريري، وأكذب على من يسألني عنكَ، وأقول «هو في بيت آمن»، وهل لكَ سوى أمان قلبي الذي يموتُ خوفاً عليكَ. ما الذي تراه الآن وأنتَ تسمع للموت صوتاً غير ما سمعته في لعبتك؟ تعرف اليوم أن الدم على الأرض غير الدم  في «البلاي ستيشن»، فما الذي تضمه إلى صدرك الصغير غير وسادة لا رسم فيها؟ وهل ترى حسرة أبيكَ الذي لا يراك إلا موقوفاً أمام جيش الظلام؟

قل يا ناصرُ «بابا» على الهاتف، وأنت تشرحُ كيف هربتَ من البيتِ إلى بيتٍ ستهربُ منه إلى بيوتٍ تهربُ مثلكَ إلى أرضٍ لا يموت فيها الطفلُ ليحيا باعة الكلام. قلها وأنت تضمُّ لعبتكَ، وأنت تسأل في رجفة أحلامك: منْ يصنعُ القنبلة؟ ولماذا يقتلُ الناسُ الناسَ؟

 
تكلم يا صغيري، قل لأبيكَ كيف كرهتَ الكلام، وهربتَ إلى الصمتِ، أخبرني كيف سرقت الطائرات القاتلة صوتكَ، فقررتَ أن تهجر اللغو، وتهجر التفسير، وتتأمل الموت مثل حكيمٍ اختبر اللعنات والحياة؟ أي ذنبٍ أحمله على كتفيّ وأمضي؟ أي رصاصةٍ تتبعني من ليلٍ إلى ليلٍ، وأنا أتابعُ الخبرَ العاجلِ، وأقولُ: أيها الموتُ خُذ شجرة الأب اليابسة، ودع العمر للأخضر الصغير

قلها يا ناصرُ: أنا خائفٌ، فليس عيباً أن يخاف الأطفال، ليس عاراً أن تمسك بيد أمك، وتسألها أن تكون الجدار بينك وبين الموت، دع خوفكَ يكمل طفولتكَ، دع سؤالكَ يفضح العدو الذي يرفع رايته على الجثث الصغيرة، تعلم الآن كيف تقفز الجبل، وتمسكُ برأس الأفعى، تعلم ألا تكون الحمل بين الذئاب، اكبر في خوفك حتى يغادرك الخوف، حتى تقولَ: أيها العدو كرهتُ اسمك ورسمك، وغادرتُ طفولتي يوم أجبرتني أن أغادر غرفتي ولعبتي، وأنا أحتمي بيد الله في يد أمي، ورحمة الله في وجه أمي

أنتَ.. يا أنا، يا طفلي المحاصر البعيد، يا من تكبر سنة بعد سنة، من دون أن أقلم أظافرك، من دون أن أرى كيف تعبر الشارع إلى البيت، وكيف تختار الحلوى، وعلى أي جانب تنام، صوتك على الهاتف أغنية.. وأنا أخرسُ، غنِّها ثانية، قلها: «بابا»، نظف رئتي من الهواء القديم، اضحك في حصارك، اقترح اسمك حلماً وانتصاراً، واسألني في كل مرة عن هداياك، وأنا أسألك: ناصر.. هل تريد ثياباً جديدة؟ أعرفُ ستقول في خجلٍ كملاكٍ: «أريد طائرة.. وسفينة.. وسيارة»، كأنك يا صغيري البعيد تريد أجنحة، وتحلم بكتفيّ

مقال تأويل - مجلة الصدى - العدد 800 - 2014
Read more ...

Sunday, April 20, 2014

قف بعيداً عن الوردة

 (1)
قف بعيداً عن الوردة، ابعد عينيك، وشد الغطاء على قلبكَ، لا تقل: ربما. لا ترسل حاستك السادسة خلف الابتسامات العابرة، تذكر روحك في النهايات التي يرفعها الحزانى فوق رؤوسهم، كأنما وجدوا في جبال خيباتك عظة ليحتملوا نصيبهم القليل من الخيبات
(2)
قف بعيداً، كم وردة كنت حارسها، وكنت َ البستانيَّ الأعمى عن شوكتها، حميتها ورويتها، ودعوتَ لها بالمطر إذا جفت الأرض عنها. كم مرة كنت فيها الخائب لأنك صدقتَ عطرها، وقلت هذه الوردة امرأة قلبي، ولم ترقب الموت في قلبها
(3)
قف بعيداً عن الوردة، فإذا مرت من طريق البحر، قل: غرقٌ هو الماءُ كله، واليابسة بيتٌ ومأوى، وإذا سمعت في صوتها حلاوة، اضرب على أذنيك صارخاً: انغلقي يا مقبرتين في رأسي. وإذا ابتسمتْ على غصنها فاهتز بجمالها غصنكَ، قل: هو الغصنُ جسد الوردة، وعصا الخيبات على الظهر
(4)
قف بعيداً عن الوردة، تطاوَل حتى لا يقتلك الكلام، واقطع لسانك بالصمت، اربط قدميكَ عن خطاياك، واهجر سذاجة القرى، استدر عن وجهتها ووجهها، ولا تحسبها وطناً تشد الرحال إليه. يا سليل المستحيلات لا تتبع قمراً كاذباً تغني خلفه: هذا قمري الذي انتظرتُ
 (5)
قف بعيداً عن الوردة، حرر يديك من حرير الأفاعي، لأن التفاتة العينين حبل يعلقك في سقف ويجرك إلى هاوية. كيف تغادرك الحكمة وأنت الذي اختبرت الأفاعي في الوردِ؟ كيف يغادرك الحذر، وأنت الذي أغلقت باب روحك على القريب والبعيد، وكنت تشك في رقص الفراشات في الشرفة الضيقة؟ ما الذي يغريك في الوردة الناعمة؟ أحزنها العميق رصاصتها التي لا تستطيع ردها؟ أدهشة الطفلة أمام انغلاق القصيدة، أمْ أن بستانها سرير القروي الذي هجرته البساتين والحقول؟
(6)
قف بعيداً عن الوردةِ، ضمّد جراحكَ التي تتكاثر أمام شموع معطرة  بالحنين ترتبها كل مساء لأجل بنات أفكارك. انظر بين يديك، ماذا تملك غير عشرة أصابع تلوّح بها للموتى؟ ماذا في كفيك غير خطوط الحظ الغاربة، والحب الذي لا يصلك بالمستحيلات

قل: أنا البستانيُّ
وليس لي في الوردةِ حظُّ
مقال ( تأويل ) بمجلة الصدى 20-4-2014

Read more ...

Monday, September 10, 2012

كتاب المسافر (1) ادفع باب الغياب


يده على بابٍ عالٍ، أصابعه تلتف على مقبضٍ قديم، تكسوه سنوات ست من الغبار. اليوم على المسافر أن يفتح باباً أغلقه على روحه طويلاً. اليوم تدفعه الضرورة أن يدير المقبض، ويدفع خشب الباب العتيق ليبصر بقلبه وعينيه كل الذي تركه بعيداً ومهملاً، وربما منسياً
اليوم لا يذهب المسافر إلى أرض غريبة، لا يذهب إلى وطن من تراب وماء وشجر، لكنه يذهب إلى روحه المتروكة عمداً، إلى طفولته التي عزلها الباب عن رحمته

ادفع باب الغياب أيها المسافر، ادفع السنوات الست إلى الوراء، وانظر جرائمك، انظر بهاء ما تركت وما نسيت وما جاهدت في أن تجعله ماضياً. انظر أيها المسافر، ها أنت تعود إلى من لا يهجرك ولو كنت فظاً، ها أنت تصافح الوجوه التي لا تنكرك ولو كنت غليظ القلب، وهل غير أمك امرأةٌ يتقطع قلبها عليك دون أن تطرف عينها بعتابٍ؟ هل غير أشقاء الدم لا يبيعونك وإن كثرتْ حولكَ ذئاب تطلبكَ ليل نهار؟

ادفع باب الغياب بقوةِ الحب، بقوةِ ضعف المذنب، بقوةِ حاجتكَ إلى منقذٍ، وحاجتكَ إلى ظهرٍ ومودةٍ. قُلْ للطيبة التي ترعى صوركَ على الجدران: «اغفري قسوة قلبي يا أماه.. اغفري سوء أدبي إذْ بنيتُ بين وجهكِ وعيني باباً للغياب، اغفري لطفلكِ الأربعيني ما جنته يداه
ادفع السنوات الست، افتح البابَ، والتمس عاطفة الأخوات الطيبات، اترك لهن كتفيك ليضعن لمسة الود العميقة، ليتذكرْن بكَ الأب الذي لا يعيده البكاء، كُنْ طيباً ولو نصف طيبته، كُنْ بعض رحمته، ومحبته، واجمع حولك ما تفرق بعده، انظر إلى البيت الكبير الذي يضج الآن بمن جاؤوا على صوتك، قُلْ هامساً وأنت تتأمل صورته على الجدار: كل خير في هذا البيت هو منكَ يا أبي.. وكل شر هو مني"
ادفع روحكَ إلى روحكَ، خُذْ قلبكَ إلى قلبكَ، واغتسل بالندم على عتبة البيت، امش حافياً ليعرفَ تراب الأرض بشرة قدميكَ، داعب الصغار كطفلٍ حين يتقاطرون على مدخل القلب ضاحكين: «وحشتنا يا خال»، كُن الذي لم تكنه في الغياب، قريباً كأشجار الموز، ظلالاً كنخلتي الحديقة، وسيرة الليل حول موقد الشاي

يقول المسافرُ
كأنني لم أصل بعد
كأنّ الشجرة التي صافحتها
للتو
تشبه امرأةً أحبها
في مكانٍ آخر
يقول المسافرُ
أعرفُ أن رجلاً يشبهني
سيبني باباً جديداً للغياب
يعود إليه ..
ثم يفرُّ منه

تغريدة
تعبت من اسمكِ
أروي له الحكايات.. لينام
فيروي لي الحكايات
التي تذهبُ بالنوم

مقال تأويل - مجلة الصدى -   9 سبتمبر  2012

Read more ...

Sunday, August 12, 2012

قوة الغياب.. قدرة الحياة



(1)
 هذه هي الحيلةُ \ ابتلع اسم من غابتْ \ عشر مراتٍ كل ليلةٍ \  وقُلْ للطبيبِ: هل لديكَ شيء لخفقان القلب؟ \ هذه هي الحقيقةُ \ يسألكَ الطبيبُ: أيُّ سمِّ شربتَ الليلة؟ \
 (2)
وحدها الشجرة لا تكترث بالغياب، تموت واقفة ولا تشكو مئات العصافير التي احتضنت أعشاشها، ثم حين نبت ريشها طارت عنها في غياب أبدي. وحدها الشجرة دليل كوني على قدرة الحياة مقابل قوة الغياب
(3)
لا تتجلى قوة الغياب في الأسى الذي تخلفه، أو في الحسرة التي تطارد دماءنا، وتشدنا إلى الموت ببطء. الغياب عن قصد فعل نفي للذات الغائبة، وحكم إلغاء للآخر. النفي يلقي بالذات الغائبة في طريق جديد، يبدو ممهداً وآمناً ولو إلى حين، فيما يذهب الآخر في إلغائه إلى اثبات وجوده بممارسة الحياة، وأيضاً إلى حين
 الغائبان ميتان
فيما يمشي بهما
جسدان على الأرض

(4)
الغياب ليس انتصاراً لإرادة القوة، لكنه انتصار لإرادة التخلي، صورة سوداء تعكس تربص روح بروح، وأنانية تقدم غريزة البقاء على فضيلة الوفاء. لم يعد ممكناً اعتبار الغياب قوة منسوبة للغائب، لأنه حين قرر غيابه، هجر حقيقته، واستعار قوته من اطمئنان زائف

(5)
الغياب الذي لا يرافقه الندم، يكون عودة للحقيقة المهجورة، أشبه بشفاء من كذب وانفصام الذات، لأن الغائب الذي لا يندم على ما غاب عنه، لم يكن يوماً راغباً فيه، وحين أدار له ظهره، واجه حقيقته التي أخفاها حيناً. غائبون بلا ندم هم أولئك الذين ارتدوا عن لعبتهم مع الآخر

(6)
بدرجة أو أخرى، كل منا غائب عن شيء أو أحد ما، لسنا منزهين عن خطيئة الغياب، لكننا موزعون على درجاته حسب قوة فعلنا له، حسب توحشنا به وفيه. الغائب بلطفٍ لا يتساوى بالغائب بغلظة وجفاء، والغائب لضرورة لا مقارنه بينه والغائب لمؤامرة أو حيلة. كل غياب غير مبرر، لكن بعض الغياب فيه قولان

(7)
لا يعود الغائب أبداً ولو عاد، لا يكون هو ذاته قبل وبعد التخلي، ثمة رتق عظيم لا يستطيع إصلاحه، وقناعه الذي سقط في غيبته لم يعد يخفي ما سبق أن دبره، وما قد يكرره. العودة لا تمنح الغائب غفراناً ولو مشروطاً، لأن الحذر قرين الفزع الذي لا ثقة معه

(8)
لا تلتمس العذر لغائبٍ إلا في الموت. لا تصافح غائباً لم يصافح عينيك برسالة يوم كنتَ تجوب البحار خوفاً عليه. لا تبتسم في المصادفة إذا لم يصنعها لأجل ابتسامتك. اتركْ رحمتكَ لمرةٍ واحدةٍ، هل رأيتَ كم مرة تركَ دونكَ رحمته؟، اكتبْ: الحبُّ أول الغيابِ
  (9)
هذه هي الحيلةُ
نام الشاعرُ مبكراُ
قال سأجدُ موجةَ
تأخذني إلى البحر
يظنُّ الطائر بعيداً
حين دفن طفولته
في الرمل
فلا يخطفها الغياب
هذه هي الحقيقةُ
ينامُ الشاعرُ
والطائرُ يجهزُّ له موجةً
تأخذه إلى الغياب

 تغريدة
تأخرت كثيراً حبيبتي
مر وقت طويل
وأنا ألعب هنا وحدي
أجرب القفز والرهان والنميمة
وأحصد الخيبة
أطلب البيتزا بالهاتف
وأترك الفاكهة على الطاولة
كمنظر برجوازي
في كل مرة أشتري الفاكهة
أراقبها بأسناني حتى تتعفن
ثم أطعمها لأكياس القمامة
وأقول: فاكهتي لم تأت بعد

 مقال تأويل - مجلة الصدى - 12 أغسطس 2012
Read more ...

Sunday, May 20, 2012

اصعدْ شجرةَ الوداعِ ببطءٍ


1
اصعدْ شجرةَ الوداعِ
ببطءٍ
احترسْ
لأن شوكة الحنين
تترصد قلبك العاري

2
لا تمسكُ بالغصنِ المائلِ
تذكر
كل غصنٍ مائلٍ سيقعُ بكَ
كل غصنٍ مائلٍ
يشبهُ حبيبتكَ

3
لا تنظرُ إلى أسفلٍ
كلما صعدتَ لأعلى
ستأخذكَ شجرة الوداعِ
إلى سرير الغيمةِ

4
احترسْ
الأعشاشُ التي ترى
عصافيرها ليستْ طيبة
أعشاشُ الوداعِ
بيوتٌ لثعابين الندم

5
لا تقفزُ من شجرةِ الوداعِ
إلى أرضٍ جديدةٍ
انتظرْ حتى تغسلَ يديكَ
من تلويحة الرحيلِ

6
عيناكَ خائفتان
لا تخفْ
بعد سبعة غصونٍ
لن تجدَ في حزنِ عينيكَ امرأةً
تستحقُ البكاءِ

7
اصعد ببطءٍ
احذرْ أن تغني
خلف مطربكَ الحزين
دعْ الأغنية السوداء
تسقطُ من شجرة الوداعِ
مثل ورقةِ خريفٍ

8
لا تنظر باكياً إلى أسفل
لأن ما تركته هناكَ
لم يكنْ يوماً
أرضُ روحكَ

9
تأمل هجرةَ روحكَ
وأنت تصعدُّ لأعلى
لا تدخلَ النعاس بصورةٍ
أو رسالةٍ
الذكرياتُ على شجرة الوداعِ
مؤامرةٌ ضد القلب

10
انظرْ
كثيرون حولك يصعدونَ
كثيرون يتسلقون أشجار الوداع
بدموعهم
فلماذا تظنُّ هذا الجحيم
لكَ وحدكَ؟

11
ليس لشجرةِ الوداعِ
غير صباحٍ واحدٍ
وبعيد
فاصعد لياليها الضيقةٍ
انتظر صباحكَ آخرها
حيثُ لا بكاء بعده
على الأوجه الغائبة

12
لا تتورطَ في الكراهية
دعْ الشرَّ بعيداً
وأنت تتسلقُ ببطءٍ
شجرة الوداعِ الأخيرِ
كنْ طيباً في الموتِ
وأنت  تغلقُ عينيكَ
على حدائقكَ المهجورةِ

13
اصعدْ ببطءٍ
خطوةً خطوةً
مثل سلحفاة عمياء
تذكرْ..
قلبكَ أول الوداعِ
لا يزال عارياً
وقدماكَ في الفقدِ
ناعمتان

14
 احبسْ جوعكَ
على شجرة الوداعِ
لا تقطفُ الثمار المُرّة
غداً تصل غايتكَ
غداً تأكلُ ما تشتهي
من فاكهة النسيانِ


مقال تأويل - مجلة الصدى -  19 مايو 2012
Read more ...

Monday, March 19, 2012

دراسة في قصيدة الأصدقاء



بقلم الدكتور عبد الناصر هلال
أستاذ النقد الأدبي الحديث في كلية الآداب جامعة جازان- السعودية

1
تقصد الدراسة بهذا العنوان إيضاح العلاقة بين إيقاع التفعيلة المستقرة في ذاكرة الموسيقى الشعرية وقانونها من خلال بنية تكوينها، أي من خلال مقاطعها، فالتفعيلات العروضية تتكون مثلاً من مقاطع ثلاثة أو نوى ثلاثة هي: فا، علن، علتن، وردت في بنية الانتظام في الشعر التقليدي وشعر التفعيلة الذي حررها فقط من عدد ترددها في السطر الشعري بدلا من سلطة النظام والنموذج الكائن في عدد محدد من التفاعيل لكل بحر، أما محاولة قصيدة النثر فكانت كسر هذا النمط الانتظامي التتابعي لخصائص التفعيلية وحركتها في سياق النص، وخلق علاقة جديدة لها تقوم على الخلل المتماهي مع التوتر الانفعالي وحركته غير المنضبطة أوالمنتظمة تحقيقاً مع مبدأ تجاوب المعطى الإيقاعي مع المكون الانفعالي بوصفه نتاجاً، يكشف العلاقة بين حركة الشعور -الكائن بين مد وجزر- وحركة الدلالة
والدراسة ستتخذ من تكوين النوى الثلاث إجراء تحليلياً إيقاعية يختلف عن النظام الذي أقرته الإيقاعية الخليلية، حيث حافظت الإيقاعية الخليلية على انتظام وتتابع النواتين اللتين تشكلان تفعيلة البحر الذي تسير عليه موسيقى القصيدة في انتظام وسيمترية محكمة، منضبطة، مقننة، هذا النظام الصارم الذي يتأكد وجوده قبل وجود القصيدة، أي أنه معد سلفاً، سابقاً على وجودها الذي لم يتشكل بعد، شكل جاهز لتجربة غير جاهزة !! ومن هنا كان سعي قصيدة الحداثة – التي تربت في حضن التفعيلة زمناً إبداعياً طويلاً، استوعبت فيه كل إمكانات الإيقاع المقدس والذاكرة المحتلبة وقرع الطبول، الذي يشكل ابتهاج القبائل – إلى الانفلات من قبضة السلطة الإيقاعية المستقرة والاتجاه إلى براءة الإنسان وبراءة الإبداع، فأصبح لكل حالة إيقاعها ولكل حالة تكويناتها وزمنها الخاص، واضطرابها وتواترها وانحيازها لذاكرة خاصة على حساب الذاكرة الجمعيةالتي تنتفي تكرس النموذجية والتقديس، وتنفي الخصوصية والتفرد التي تقوم عليها قصيدة النثر، وتحرص على الحياة في كنفها وهوائها الطبيعي وهو النقي المعنتق من تعقيم العرف الضيقة

كانت التفعيلة في القصيدة الموزونة تتشكل عبر تردد نواتين تردداً منتظماً من النوى الثلاث المكونة لإيقاع الشعر العربي، وقد رصد كمال أبوديب تحولات الإيقاع وانتظامه من خلال هذه النوي في دراسة مطولة أعدها بديلا للقراءة العروضية التي عرفتها الذاكرة العربية في كتابه "البنية اللإيقاعية للشعر العربي". وإذا حدث نوع من عدم الانتظام المحكم لحركة النواتين في سياق القصيدة، أصبح عيباً وخللاً أطلق عليه بعض النقاد كسراً عروضياً، يلام عليه الشاعر، وكثيراً ما كان يقع شاعر في معضلة يفرضها السياق أو القامية حتى يستقيم هذا النمط الإيقاعي المنتظم فيخالف القاعدة الصرفية أو النحوية أو اللغوية تمسكاً بالنظام الموسيقي وحفظاً على انتظام الحركة الإيقاعية المقدسة، وكان النقاد يقولون عن الشاعر الذي يقع في قصيدته هذا الجرم أنه صالح "الخليل " وخاصم " سيبويه" وهذا يؤكد مدى صلابة الوعي الجمالي وحرصه على التقليد لا نزوعه نحو ذاته التي تختلف عن ذوات الآخرين في علاقتها مع نفسها ومع العالم، ويؤكد عدم الرغبة في النظر في الوعى الجمالي الموروث ومناقشته وربطه بسياق اللحظة الجمالية المتغيرة، فالكسر العروضي أو الخلل في انتظام تردد النوى داخل التفعيلة له دوافعه على اعتبار أن المنجز الكتابي رد فعل للدافع أو حركة الداخل، فهو ناتج عن خلل أو كسر في حركة الشعور أو نبض الروح أو توتر العواطف أو ارتعاش النفس واضطرابها أو كسرها !! وبالتالي تكون صورة الإيقاع في وضعها المصاب بالخلل استجابة طبيعية لخلل الذات وتغير حالتها، وتجسيداً للفطري والعفوي، وإشارة إلى التدفق الذي تحرص عليه قصيدة النثر. أما الحفاظ على النسق والسيمترية أو تتابع نوى التفعيلة عبر سواكنها ومتحركاتها في إطار تنظيم صارم يؤكد القصدية، ويشير إلى أن (الإيقاعات المعدة سلفاً في كتابات الشعراء تخضع بقدر – قل أو كثر – لنوع من القصدية التي تخرج النص من براءة الإبداع.) وفي هذا السياق اكرر ما قاله رفعت سلام:  ما من شيء يغري بالنشيد، ولا حتى بالرثاء. فمن أين يجيء الإيقاع المضبوط، القياسي، المتواصل بلا اختلال، فيما الكون يعج بالفوضى، والروح بالتضارب ؟ أمن خارج الكون؟ أم من خارج الروح؟
في ظل هذه الرؤية لعلاقة التلقائية بالإيقاع وعلاقة الحالة الشعورية بحركة النوى المكونة للإيقاع، ستتناول الدراسة قصيدة "الأصدقاء " لـ "كمال عبد الحميد" من ديوان (الوسيلة المتاحة للبهجة – فصلان في الجحيم)، لترصد حركة الإيقاع المنطلقة مع حرية الكتابة الإبداعية، وتطالع التشكيلات الإيقاعية التي تحققها الذات في عزفها وبكائها وأنينها ونحيبها وهمسها وصراخها، في صمتها وتأملها لجراحها وللكون


2
الأَصدقاءُ

كنتُ أقفُ على مقابِرهِم
أسألُ: كيفَ ماتوا مرةً واحدةً؟
وكان الحفارُ قد جاوَزَ المائة بِعامين
هكذا رأيتُه وهو يتقيأ دماً أسودَ
ولا يجيبُني
كنتُ خائفاً بعد أن عرفتهم واحداً واحداً
ومطمئناً لأنني لستُ بينهم
وبعد أن تحسستُ عظامهم
بكيتُ
لم تكن أحقادُهم معَهم
كانوا طيبينَ إلى حد الأسَى
لكنني بكَيتُ بمرارةٍ أكثرَ
وارتعشتُ أمام عظامٍ أعرفُها
أنا هنا إذاً
ولذا كان الحفَّارُ يبكي
وكان الدمُ الذي يتقيأه أسودَ
والمقابرُ التي بحجمِ شقةٍ متوسطةٍ
قطعتُها جرياً في ثلاث ساعاتٍ ..
ثلاثَ ساعاتٍ وأنا التفت خلفِي هارباً
ولأنني أتقلبُ كثيراً في كوابيسي
أيقظتنِي زوجتي على حافة السريرِ
قبلَ حركةٍ واحدةٍ من السقوطِ

قطعت هذه القصيدة أواصر الصداقة مع النمط الاعتيادي سواءً أكان كلاسيكياً أم تفعيليا على مستوى البنية الإيقاعية، كما أنها تركت تقينة المجاز بمفهومه الأرسطي، واتجهت صوب ما يعمق حداثتها فخرجت على النمط البدائي الواحد، واغترفت من بنية الفنون الأخرى خصوصا السرد، وأضفت على بنيتها ما يعزز عمقها ووعيها وتخليها على السطحية وانتسابها إلى الحداثة
لقد فرض السرد إيقاعه على بنية القصيدة وأضفى عليها مسحة التأمل والهدوء، فالشاعر راو، يسرد من الداخل، إنه راو عليم، يصف وهو يلتحم بالأمكنة والأزمنة، له حضور عيني من خلال ضمير المتكلم
وهناك تباين بين إيقاع السرد وإيقاع الحوار وإيقاع المجاز، فـ"إيقاع أسلوب السرد ووصف الأمكنة لا بد أن يكون أكثر ميلاً إلى الهدوء والبطء من إيقاع أسلوب المحادثة أو الحوار الذي يميل إلى السرعة في الإيقاع لكونه يقوم على عناصر الحديث الذي يحمل أسئلة وإجابات، وبتعبير آخر " إيقاع السرد ينبع من ذات الفرد الكاتب وهو يسترسل بالوصف أو الحدث تبعاً لرغباته الخاصة، بينما يتألف إيقاع الحوار من المشاركة مع الآخر، أي أنه ليس ذاتياً محضاً وثابتاً بل متغير لأنه ينبع من ذات واحدة
فالذات الساردة في قصيدة "كمال عبد الحميد" متأملة، متحركة، محتكة، تخلق الأحداث وتشارك في نموها، وتركن للوصف لترصد ملامح العالم وهي مشدودة إلى عناصر تكوينه، وترغب في اللحظة ذاتها الانفصال عنه لتتخلق من جديد، وتغير مواقع الاحتكاك والجدل، تستدعي التاريخ وتفك مكوناته، تقف مع كل معطى من معطيات اكتمال المشهد، تواجه نفسها بهذا التاريخ، تتكسر أمام الذاكرة، وتستعيد نفسها، ترفض زمن السواد الذي انتاب مكونات تاريخها السري: الحفار الذي يتقيأ دماً أسود
يحاكم " كمال عبد الحميد " زمن البراءة / الأصدقاء الذين كونتهم الذاكرة في كتابها السري، من هنا تتحرك إيقاعات الوصف وتتوتر إيقاعات الأحداث، وتتغير صورة الصوت الذي يشكل إيقاع الحالة وهي تلتقط علاقات متعددة، فالتوتر والجدل وإيقاع التذكر– بما يحمله من أسى– لا يشكل وجها أو صورة مستقرة أو متناسقة أو منضبطة، فلا بد أن تتغير صور الإيقاع تبعاً لتغير حركة الذات من خلال رصدنا لمكونات الإيقاع عبر النوى الثلاث ( فا / 5)، ( علن//5)، (علتن ///5 )، ونرى كيف تسير حركة التكوين الإيقاعي عبر تحولات هذه النوى، وما سينتج عن تكرارها من تشكيلات إيقاعية
3
وإذا كان كمال أبو ديب في دراسته "البنية الإيقاعية للشعر العربي" قد اعتمد على الوحدتين الإيقاعيتين فاعلن / فعولن /5//5 - //5/5، ورأى أنهما يمكن أن يتحولا إلى نواتين إيقاعيتين أعمق جذريا هما ( علن / فا ). وأن تشكل الوحدتين يعتمد علاقة   (فا / 5) بـ (علن //5) من حيث التتابع الأفقي (فعولن //5/5) هي إذن (علن + فا) بينما (فاعلن) هي (فا + علن). ورأى أبو ديب أن(علتن) يمكن تقسيمها إلى          (فا – علن) (/ - //5) ولكنه تقسيم قسري، إرادة للتسهيل والتوضيح. ولكن هذا الإعتقاد يظل قسرياً على الرغم من الهدف منه ولكن الأجدي تقسيم البحور وتحليلها عن طريق ثلاث نوى إيقاعية هي (فا / 5)، ( علن//5)، (علتن///5). وهذا التقسيم هو الذي تعتمد عليه الدراسة في تحليلها لقصيدة الأصدقاء
فاعلن  فاعلن  فاعلن  فاعلن
وقد رأى أبو ديب ان هذا التكرار للوحدة الإيقاعية (فاعلن) يمكن أن تصبح كالتالي
علن فا  علن فا  علن فا  علن فا
ومن أجل خلق تشكيلات جديدة يمكن أن تصبح كالتالي
علن فا  علن فا  فا فا  علن فا  فا فا
وهكذا،  ما فعله كمال أبو ديب" هو تأسيس نظام آخر. إنه يكشف عن الطاقة الموسيقية في اللغة ويدل على مفاتيح تفجيرها، وإذا كانت تشكلات أبو ديب الإيقاعية بالاصول / البحور وتكرارها في إطار نسقي متغير الفروع لكن الأصل: إيقاع الوحدة المكررة تنتج تشكيلات متوازية، فإن دراستنا تكشف التغيرات الإيقاعية وتحولاتها وتشكلاتها غير المنتظمة أو المتكررة في نسق ثابت، حتى وإن حدث تكرار للنوى الثلاث غير أن تكرارها لا يعد نمطا أو قانونا أو نموذجا، إنه تكرار الفوضى أو تكرار على غير قاعدة، كما تدخل وحدات أو تشكيلات إيقاعية مختلفة عن النوى في حجم بنائها. وهذا ما يدل على زخم الإيقاع المتنوع في قصيدة النثر والشعر في الوقت نفسه إلى أهم مميزاتها: عدم القوننة أو النمذجة
4
تتحرك قصيدة الأصدقاء حركة غير منتظمة، تتحول من تشكيل إيقاعي إلى آخر، وربما تتكرر نواة ما بين النوى الثلاث، فتحدث انتظاما في زمن إيقاعي محدد، وأحيانا تنتشر تشكيلات إيقاعية خارج نطاق النوى مما يؤكد كما هي لحظة الوجود الخارجي في علاقة جدلية بين الذات والعالم وايقاع الكتابة، الذي يعد تطهيراً، تتوق إليه الروح، وتترجمه الحالة الشعورية
ترصد الدراسة مكونات الإيقاع في القصيدة عبر تردد متحركاتها وسواكنها التي تشكل مقاطع صوتية تشير إلى حركة الشعور، وتقوم الدراسة بكتابة كل سطر من القصيدة مصحوباً بالتقطيع لمكونات الإيقاع، كما تشيرالدراسة إلى إحصاء الحروف المجهورة والمهموسة في السطر، حتى يعاين القارئ حركة الإيقاع. 
..............................
هذا النمط البنائي القائم على بنية الحكي وهي بنية سردية، تمنح الشاعر هدوءاً في التأمل، فيقدم مزيداً من التفاصيل والجزيئات في تصوير الحالة الشعورية التي هيمنت عليه، ترددت ( فا /5) مرة واحدة في السطر وسيطرت نوى علن //5 وعلتن ///5، وترددت بنية إيقاعية خارج نطاق النوى الثلاث- المتعارف عليها- تتكون من ست حركات ( //////5)، وهي وحدة موسيقية ممتدة لم ترد في القصيدة كلها إلا مرة واحدة تستغرق زمنا إيقاعياً طويلاً يفرض زمن الوقوف وحركته الممتدة في الوقت نفسه: زمن الحسرة والفجيعة الذي يشير إلى عمق اللحظة والشعور بطولها، ليكون الإيقاع بطيئاً يتماثل مع زمن التأمل والوقوف على مقابر الأصدقاء الذين تحول زمن وجودهم إلى زمن فقد فجأة دون سابق إنذار، وكأن الشاعر وقع على الفجيعة وهو يمارس إيقاع الحزن والصدمة واستعادة التوازن، كأنه يقع تحت تأثير الضغط النفسي والشعوري اللذين يصلان إلى الاختناق فيضغط على الإيقاع عبر مقاطعه الصوتية الطويلة التي تتجاوز الحركة والسكون! أكثر من حركة وتردد حروف الجهر بصورة مهيمنة حيث ورد الجهر ثنتي عشرة مرة في مقابل حروف الهمس أربع مرات
وهذه النسبة تشير إلى الملمح النفسي المصاحب لإيقاع الحكي وحال الشاعر العاطفية من خلال حروف الجهر، فحرف الجهر هو حرف اشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه، حيث يحدث انسداد مجرى الصوت كلياً، يمنع النفس أن يجري معه نتيجة المغلق المحكم يعقبه انفجار أو انسداد جزئي يسمح للهواء بالمرور مع وجود خفيف يعقبه احتكاك
كما يحتاج الجهر إلى بطء في الأداء. وكلما ازداد نسق الجهر في النص خفت الأداء وضعف، وهي حروف تحتاج إلى سرعة وشدة أثناء الأداء، على عكس الهمس في البناء النصي ،حيث يؤدي إلى قوة الأداء، لأن حروف الهمس أقل وضوحاً في السمع











 فصل من كتاب  
   قصيدة النثرالعربية بين سلطة الذاكرة و شعرية المساءلة
  دار الانتشار- بيروت - 2012
Read more ...